محمد الغزالي
381
فقه السيرة ( الغزالي )
على حين كان الجيش الزاحف يتقدّم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء ، ورأسه خفيض من شدة التخشّع للّه ، لقد انحنى على رحله ، وبدا عليه التواضع الجمّ ، حتى كاد عثنونه « 1 » يمسّ واسطة الرحل « 2 » . إنّ الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم ، والفيلق الدارع الذي يحفّ به ينتظر إشارة منه ، فلا يبقى بمكة شيء امن ، إنّ هذا الفتح المبين ليذكّره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا ؟ وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا . . ! وأيّ كرامة عظمى حفّه اللّه بها في هذا الصباح الميمون ! وكلّما استشعر هذه النعماء ازداد للّه على راحلته خشوعا وانحناء ويبدو أنّ هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور . فإنّ ( سعد بن عبادة ) زعيم الخزرج ذكر ما فعل أهل مكة ، وما فرّطوا في جنب اللّه ، ثم شعر بزمام القوة في يده فصاح : اليوم يوم الملحمة . . اليوم تستحلّ الحرمة ، اليوم أذلّ اللّه قريشا . وبلغت هذه الكلمة مسامع الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال : « بل اليوم يوم تعظّم فيه الكعبة « 3 » . اليوم يوم أعزّ اللّه فيه قريشا » ، وأمر أن ينزع اللواء من سعد ، ويدفع إلى ابنه مخافة أن تكون لسعد صولة في الناس . [ دخول جيش المسلمين مكة ] : وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدخل مكة من أعلاها « 4 » . وأمر قادة جيشه ألا يقاتلوا
--> ( 1 ) ما فضل من اللحية بعد العارضين . ( ن ) . ( 2 ) ضعيف ؛ رواه ابن هشام : 2 / 269 ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد اللّه بن أبي بكر مرسلا . ووصله الحاكم : 3 / 47 ، وكذا أبو يعلى من حديث أنس بنحوه . وقال الحاكم : « صحيح على شرط مسلم » ، وأقرّه الذهبي ! وهو من أوهامهما ؛ فإنّ في سنده عبد اللّه بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف ، كما قال ابن عدي ، ثم ساق له هذا الحديث كما في الميزان ، وهذا المقدمي غير عبد اللّه بن أبي بكر شيخ ابن إسحاق ؛ فإن هذا متأخّر من طبقة الإمام أحمد ؛ وذاك تابعي صغير ، يروي عن أنس رضي اللّه عنه وهو ثقة . ( 3 ) ضعيف ، أخرجه البخاري وغيره من حديث عروة مرسلا ؛ وقد سبق تخريجه قريبا ؛ وأمّا باقي الحديث فقد رواه يحيى بن سعيد الأموي ، كما في ( شرح المواهب ) للزرقاني : 2 / 306 ، ولم يتكلم على سنده بشيء ولا ساقه لينظر فيه ؛ وقد أشار ابن كثير في ( البداية : 4 / 295 ) ، لضعفه . ( 4 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 8 / 14 - 15 ، عن ابن عمر وعائشة .